Martin Auer: الحرب العجيبة, Stories for peace education

   
 

الصبي الأزرق

Please share if you want to help to promote peace!

Translated by Rafid Kareem

This translation has not yet been reviewed

الرجل الحالم
الصبي الأزرق
كوكب الجزر
الخوف
الخوف... ثانية!
الكائنات الغريبة في كوكب هورتس
متى ما جاء الجنود...
المحاربان
رجل ضد رجل
الحرب فوق كوكب المريخ
العبـد
الحرب العجيبة
زِحـام
عند عتبة بابك
تقـرير لمجلس المنظومة الشمسية المتحدة
Foreword
Author's comments
Download (All stories in one printer friendly file)
Guestbook
About the Translator
About the Author
Mail for Martin Auer
Licence
Creative Commons licence agreement

بعيد .. بعيد جداً وراء النجوم، كل شيء مختلف عما في الأرض وحتى أبعد من هناك كل شيء أكثر اختلافاً من هناك، حيث كل شيء مختلف جداً عما موجود هنا. ولكنك إذا ما رحلت بعيداً جداً جداً في الكون لمسافات بعيدة إلى المكان حيث كل شيء مختلف تماماً عن أي مكان، وربما هناك سوف يكون بالضبط كما هنا.

وربما في هذه المنطقة النائية جداً هناك كوكباً كبيراًُ مثل كوكبنا وربما يعيش أناس عليه. أناس يبدون كما نحن تماماً ماعدا أن لونهم أزرق ويمكن أن يطووا آذانهم عندما لا يريدون سماع أي شيء لا يرغبون فيه!

وربما نشبت حرب في هذا الكوكب النائي وحتماً كثير من الناس ماتوا، وكثير من اليتامى قد تركوا بعدهم. وعلى إطلال أحد البيوت التي دمرت بفعل قصف القنابل كان يجلس صبي أزرق يبكي لما حل به من فقدان أبوه وأمه. لفترة طويلة جلس هناك بتلك الحالة ولكنه توقف لأنه استنفد كل الدموع التي عنده، ونزع طوقه ووضع يديه في جيوبه وغادر. عندما رأى صخرة ركلها برجليه وعندما رأى وردة دنا منها.

وتقدم من الصبي كلب صغير ونظر إليه وبدأ الكلب بهزّ ذيله ومن ثم راح يدور حوله وبدأ بالسير جنباً إلى جنب معه ليكون في صحبته.  

قال الصبي للكلب: اذهب بعيداً.. عليك أن تذهب بعيداً من هنا لأنك لو بقيت معي فسيكون عليّ أن أحبّك وأنا لا أريد أن أحب أي أحد مرة أخرى في حياتي الباقية. نظر إليه الكلب وهزّ ذيله بفرح وسرور. ثم وجد الصبي بندقية ملقاة بجنب جندي مقتول. التقط البندقية وصوّبها نحو الكلب وقال وهو غاضب: هذه البندقية يمكنها أن تقتلك!

وعندها فرّ الكلب مبتعداً. وقال الصبي للبندقية: سآخذك معي وستكونين صديقتي المفضلة.

أطلق الصبي النار على شجرة ميتة من بندقيته. ومن ثم وجد دراجة سكوتر سريعة من النوع التي يسيرها الأولاد برجل واحدة ملقاة على مقربة في حقل. ركبها وبدأ بالجريان، وقال: لدي الآن بندقية ودراجة سكوتر سريعة، سيكون كلاهما عائلتي وكان بإمكاني الحصول على كلب أيضاً ولكن ربما قُتل ومن ثم لابد لي من البكاء حتى الموت.

قام الصبي بجولة في الجوار على دراجته ورأى دخاناً يتصاعد من بيت فقال: ما زال هناك من يعيش في المنزل. أخذ يدور حول البيت وينظر من خلال النوافذ وكان في الداخل لا يوجد سوى امرأة عجوز كانت تعدّ طعاماً. أوقف الصبي دراجته أمام باب الدار وأخذ بندقيته ودخل الدار وقال موجهاً كلامه إلى المرأة العجوز: إن بيدي بندقية.. أريد أن تعطيني شيئاً لأتناوله.

ردّت عليه المرأة العجوز قائلة: أدخل سأعطيك شيئاً لتتناوله بأية حال.. يمكنك أن تضع بندقيتك جانباً وتتفضل لتأكل.

قال الصبي مقاطعاً إياها: لا أريد أن تكوني لطيفة معي. بإمكان بندقيتي أن تقتلك.

ولذلك أعطت المرأة العجوز طعاماً ليأكله ومن ثم انصرف. وهكذا كان يعيش الصبي. لقد هيأ لنفسه مكاناً مخفياً في بيت مهجور. عندما كان يشعر بالجوع، كان يذهب إلى مكان ما يعيش فيه أناس وكان يهددهم ببندقيته ويطلب منهم أن يعطوه شيئاً ليأكله. وفي أحيان أخرى كان يذهب إلى ساحات المعركة المهجورة ويجمع أجزاء عديدة من الأسلحة ومن الدبابات والعربات التي تم تركها هناك. كان يأخذ كل تلك الأشياء ويضعها في مخبأه.

قال الصبي لنفسه: سأصنع رجلاً آلياً مسلحاً بدرع حصين. سيكون طوله مائة ياردة ووزنه مائة ألف طن وسأكون في قمة رأسه وستكون غرفة التحكم فيها. وعندها ستكون لي القوة ولا يمكن لأحد أن يفعل لي شيئاً.

وفي أحد الأيام اقتربت من مخبأه فتاة. خرج الصبي إليها متأبطاً بندقيته وقال: يجب عليك أن تذهبي بعيدا عن هنا! يمكنني أن أقتلك ببندقيتي هذه.

فردّت الفتاة قائلة: لا أريد أن أزعجك. أنا أتيت فقط لأرى فيما إذا كان نبات الفطر قد بدأ ينمو ويكبر مرة أخرى.

قال الصبي: يجب عليك أن تذهبي بعيداً عن هنا. لا أريد أحداً بجواري!

وسألت الفتاة: هل أنت هنا لوحدك؟

قال الصبي: كلا.. لدي بندقية ودراجة سكوتر. هؤلاء هم عائلتي وفي يوم ما سيكون لدي رجلاً آلياً مدرعاً!

- أليس لك شخص حقيقي حي؟

- يمكن أن يكون لي كلباً ولكن ما حيلتي لو أن شخصاً ما قتله.. سأضطر حينها إلى البكاء حتى الموت من أجله.

فقالت الفتاة: في الحقيقة كذلك أنا ليس لي أحد، ويمكن لنا أن نبقى سوية.

- لا أريد أي أحد يمكنه أن يطلق النار من البندقية.

فقالت الفتاة: إذن أظن أنك تريد أن تجد شخصاً لا يمكنه استخدام البندقية وإطلاق النار.

ولكن الصبي أكمل بناء الرجل الآلي العملاق المدرع ودخل إليه وجلس في القمة عند رأس الرجل الآلي في المكان المخصص لغرفة السيطرة والتحكم. بعدها انطلق الصبي بالرجل الآلي وتجول في البلاد. كان الناس يصرخون في كل مكان يرون فيه الرجل الآلي العملاق وكانوا يفرون منه، ولكنهم لن يستطيعوا الإفلات منه. كان في غرفة التحكم مذياعاً وكل شيء يقوله يهدر من فم الرجل الآلي كالزئير وكان يصيح الرجل قائلاً: هل يوجد شخص هنا لا يمكن قتله ببندقية؟

ولكن أينما يحلّ الرجل الآلي العملاق، فإن الناس لا يفعلون شيئاً سوى الفرار منه ولم يجد شخصاً واحداً لا يمكن أن يقتل ببندقية.

وفي أحد الأيام، كان يرى من فوق من غرفة التحكم في المكان الذي يجلس فيه بأن شخصاً ما في الأسفل لم يفرّ منه وبدلاً عن ذلك وقف صامداً هناك وصرخ بشيء ما لينتبه له. ولكنه كان على ارتفاع لم يتمكن من فهم ما كان يقوله هذا الشخص. اعتقد الصبي بعد أن نزل إلى الأسفل بأنه ربما هناك أحد ما يمكن أن لا يقتل ببندقية. ولكنها كانت تلك المرأة العجوز التي طبخت له وجبة الطعام منذ زمن مضى، وسألها الصبي: هل تريدين أن تقولي لي شيئاً ما؟

ردّت عليه المرأة العجوز: نعم.. لقد سمعت عن شخص لا يمكن أن يقتل ببندقية واعتقدت انه كان يجب علي أن أخبرك عنه.

فسألها الصبي: ومن هذا الشخص؟

- إنه رجل طاعن في السن يعيش هناك فوق على سطح القمر.

فقال الصبي: إذن علي أن أبحث عنه لأنني لا أريد أن يكون معي أشخاص من الذين يمكن أن يقتلوا ببندقية.

وعندها سحب مفتاحاً كهربائياً فتحول رجله الآلي العملاق إلى صاروخاً ضخماً وانطلق به نحو القمر.  وهناك في الأعلى على سطح القمر اضطر الصبي أن يبحث عن الرجل العجوز لمدة طويلة حتى تمكن من العثور عليه أخيراً. وكان الرجل العجوز يجلس وراء منظار تلسكوبي ينظر إلى الكوكب الأزرق في الأسفل. فسأل الصبي الرجل العجوز: هل أنت الرجل الذي لا يمكن قتله ببندقية؟

فقال الرجل العجوز: أظن ذلك.

- وإلى ماذا تنظر إليه بمنظارك؟

- أنا أدرس حال الناس هناك في الأسفل.

فرد الصبي متسائلاًً: أتعتقد أنه يمكنني البقاء معك؟

فقال الرجل العجوز: ربما.. و ما هو الشيء المميز فيّ؟

- لأنني لا أريد أن أبقى مع شخص يمكن أن يقتل. عندما مات والدي بكيت وذرفت كل ما لدي من دموع في حدقتيّ. كان بإمكاني أن يكون لدي كلباً ولكن ما الحيلة إذا ما قتل فإنني سوف أموت من البكاء عليه. وكان بإمكاني أن أبقى مع امرأة عجوز أو فتاة صغيرة ولكنهم جميعا غير محصنين من الرصاص، وإذا ما قتلوا فإني سأضطر إلى الموت بكاءً ونحيباً.

فقال الرجل العجوز: هذا صحيح، يمكنك أن تبقى معي ولا أحد يمكنه أن يقتلني لأنه لا يوجد هنا من يملك سلاحاً.

وسأله الصبي: وهل هذا هو السبب الوحيد؟

فقال الرجل العجوز: نعم. هذا كل ما في الأمر.

- ولكنني جلبت بندقيتي معي.

فقال الرجل العجوز: إنه شيء سيء جداً. والآن لا يمكنك أن تبقى معي لأن سلاحك يمكن أن يقتلني.

فقال الصبي: إذن علي أن أرحل الآن عائداً إلى كوكبي.

- أجل.

فقال الصبي: إنه لشيء مؤسف حقاً.

وسأله الرجل العجوز: هل أنت متأسف؟

فقال الصبي: نعم.. أنا أتمنى أن أبقى هنا.

فقال الرجل العجوز: ربما يمكنك أن تتخلص من بندقيتك.

فقال الصبي: ربما.

فقال الرجل العجوز:  ومن ثم يمكنك البقاء معي بعد كل هذا.

وقال الصبي: ربما.. وماذا أفعل بعد ذلك؟

- يمكنك أن تنظر من خلال المنظار. ومن المحتمل يمكنك أن تجد لماذا هؤلاء الناس في الأسفل في أتون حروب وصراعات لا تنتهي.

- ولماذا يتقاتلون في حروب؟

- ولا أنا أعلم ذلك. أنا أفترض هناك شيء ما يمكن عمله بدون دراية كافية بما يدور في ذهن الآخر. هناك الكثير منهم ممن حياتهم ومعيشتهم معقدة جداً بحث لا يعرفون كيف أن أفعالهم سيكون لها الأثر الفعال في الآخرين. أظن أنهم لا يعرفون من أين يأتي اللحم الذي يتناولونه ولا أين يذهب الخبز الذي يخبزونه. وأعتقد أنهم لا يعرفون فيما أن الحديد الذي يستخرجونه من الأرض يتم استخدامه في صناعة البلدوزرات  أو السفن. ربما أنهم لا يعرفون أن اللحم الذي يأكلونه يتم أخذه من أناس آخرين. لو أنهم يرون أنفسهم من فوق لربما كانوا سيعون أشياء كثيرة بشكل أفضل.

وقال الصبي: إذن يجب على شخص ما أن يبين لهم ذلك.

فقال الرجل العجوز: ربما.. ولكنني رجل طاعن في السن ومتعب جداً لعمل كهذا.

لقد ترك الصبي بندقيته تسقط من القمر في الفضاء إلى كوكبه، وهناك تحطمت إلى قطع متناثرة هنا وهناك. ولكن الصبي مكث زمناً طويلاً جداً مع الرجل العجوز على القمر ونظر ودرس من خلال المنظار كيف يعيش الناس في الأسفل. وربما في يوم من الأيام كان سينزل إلى الأسفل وسيشرح لهم ما يفعلونه كان خطأ جسيماً.

 

الصبى والبندقيـة

Translated by Hala Sherif

 

هناك بعيدا خلف النجوم يبدو كل شىء مختلفا.

وحينما نبتعد أكثر يبدو أيضا كل شىء مختلفا كل الاختلاف عن هناك وعن هنا.

ولكن حين نريد أن نطير بعيدا ، بعيدا جدا ، إلى أبعد مكان ، حيث كل شىء مختلف عن أى شىء ، عندئذ ، من الجائز أن تتشابه الأشياء مرة أخرى مع كل شىء هنا.

 

هناك ، فى هذا المكان البعيد يوجد كوكب كبير مثل كوكب الأرض يعيش فوقه أناس يشبهوننا تماما فيما عدا أن لونهم أزرق.

ومن المحتمل أن حربا عنيفة قد اشتعلت فوق هذا الكوكب ومات كثير من الناس الزرق ، وخلفت الحرب وراءها كثيرا من الأطفال الأيتام.

وفوق أطلال بيت من البيوت دمرته القنابل جلس صبى صغير أزرق يبكى فراق والده ووالدته. جلس طويلا هكذا يبكى ثم سكت عن البكاء بعد أن أفرغت عيناه كل الدموع.

 

نهض الصبى من جلسته ، فرد ياقة قميصه ووضع يديه فى جيب بنطلونه وبدأ فى السير فى حزن عميق ويأس. إذا رأى طوبة يقذفها بعيدا ، وإذا رأى وردة يدوس فوقها.

صادفه كلب صغير وهو يمشى. نظر إليه الكلب وهز ذيله ثم أخذ يلف حول الصبى مقتربا منه وكأنما قرر أن يتبعه فى أثناء سيره.

قال الصبى للكلب: "اذهب بعيدا عنى . يجب أن تبتعد. فأنا أخشى أن أعطف عليك وأحبك إن بقيت بجانبى. وأنا لا أريد طوال حياتى أن أحب أحدا."

نظر إليه الكلب وهز ذيله مرة أخرى. التفت الصبى فوجد بندقية ملقاة بجوار جندى فارق الحياة. رفع الصبى البندقية من فوق الأرض ولوح بها للكلب وقال له : "هذه البندقية من الممكن أن تصيبك."

خاف الكلب واندفع يعدو بعيدا.

قال الصبى للبندقية: "سآخذك معى. ستكونين الرفيق الطيب لى." وأطلق الصبى طلقة من البندقية فى اتجاه شجرة ميتة.                               

 

مضى الصبى فى طريقه وفى أثناء سيره وجد بقايا طائرة صغيرة ذات مراوح ملقاة على الأرض، فدخل فيها وحاول أن يدير محركاتها فوجدها تعمل. قال الصبى لنفسه: "إن معى الآن بندقية وطائرة مروحية. من الآن سأعتبرهما أهلى. كان من الممكن أن يكون لدى كلب وديع.. لكنى خشيت أن  تصيبه طلقة بندقية فيموت ، وإذا حدث هذا فسأبكى كثيرا وأتحسر على فراقه."

طار الصبى بطائرته حتى رأى منزلا يتصاعد منه الدخان. قال الصبى محدثا نفسه: "هناك إذن من يعيش بداخل هذا البيت."

ثم طار حول البيت ونظر من خلال النافذة فوجد سيدة عجوزاً تقوم بطهى الطعام. حط الصبى بطائرته أمام المنزل وأخذ البندقية ودق على الباب.

خرجت السيدة العجوز فقال لها الصبى: "إن معى بندقية وعليك أن تعطينى شيئا آكله." قالت السيدة العجوز للصبى: "سأعطيك طعاما تأكله ولكن .. هل لك أن تضع البندقية التى معك فى هدوء بجانبك؟"

قال الصبى لها فى غضب: "لاتكونى ودودة معى ، فبندقيتى يمكن أن تصيبك." فأعطته السيدة العجوز طعاما وخرج الصبى من عندها وطار مرة أخرى بطائرته إلى أن استقر فى مخبأ بيت مهجور وعاش فيه. وحينما كان يشعر بالجوع يطير بطائرته إلى أن يلمح شخصا، فيهدده بالبندقية ويأخذ منه ما يكفيه من طعام.

 

وبين الحين والآخر كان الصبى يطير بطائرته إلى ميدان القتال ويجمع بقايا الآلات والعربات الملقاة هناك بعد الحرب ويذهب بها إلى مخبأه.

فكر الصبى وقال: "سأصنع من هذه البقايا إنسانا آليا ضخما. سيكون طويلا ويزن آلاف الأرطال وفوق رأسه سأثبت كابينة القيادة وعندئذ سأكون قويا ولا يمكن لأحد أن يؤذينى."

وفى أثناء انهماكه فى العمل مرت فتاة جميلة بجوار المخبأ فرآها الصبى وخرج لها ببندقيته وقال لها: "يجب أن تذهبى بعيدا عن هنا، فبندقيتى يمكن أن تصيبك".

قالت له الفتاة: "أنا لا أريد منك شيئا .. لقد خرجت لأرى إن كان عيش الغراب قد نما فى الأرض مرة ثانية."

فقال لها الصبى: "يجب أن تبتعدى .. أنا لا أريد أحدا بجوارى."

سألت الفتاة الصبى: "هل تعيش وحدك هنا؟" 

قال لها الصبى:  "لا.. يوجد معى بندقية وطائرة مروحية وهما عائلتى.. وقريبا سيكون لدى إنسان آلى ضخم." 

سألته الفتاة: "ألا يوجد معك كائن حى؟"

قال الصبى: "كان من الممكن أن يكون لدى كلب ظريف ، ولكن .. لو حدث أن أحدا قتل الكلب سأبكى عليه ومن الممكن أن أموت حزنا."

فقالت الفتاة: "أنا مثلك أيضا فقدت عائلتى ومن الممكن أن نبقى معا.. ما رأيك؟" 

قال لها الصبى محتدا: "لا أريد أن أبقى مع أحد من الممكن أن تصيبه بندقية." 

فقالت له الفتاة ضاحكة: "فى هذه الحالة لابد أن تبحث عن شخص لا تستطيع طلقة بندقية أن تصيبه." وتركته وحده وذهبت إلى حال سبيلها.

 

ومضت الأيام والصبى يصنع الإنسان الآلى الضخم حتى فرغ منه ثم ثبت فوق رأسه مفتاح القيادة. وقف الصبى بداخل الإنسان الآلى وبدأ يسير به مخترقا طرقات المدينة. وأينما يذهب يصرخ الناس خوفا حين يرونه ويبتعدون مسرعين ولكنهم كانوا لا يستطيعون الهرب من الصوت المرعب الذى يحدثه. فقد وضع الصبى فى كابينة القيادة مكبرا للصوت،  وكلما كان يتكلم يخرج من فم الإنسان الآلى صوت غليظ كالزئير. ويصرخ الصبى فى الميكروفون بأعلى صوته ويقول:

"هل يوجد هنا أحد لا تستطيع طلقة بندقية أن تصيبه؟"

 

وفى كل مكان يمشى فيه الإنسان الآلى يفر الناس منه هاربين ولم يستطع الصبى أن يجد الشخص الذى لا تستطيع طلقة بندقية أن تصيبه.

وفى يوم من الأيام وبينما هو يسير بالإنسان الآلى لمح شخصا يقف تحت قدميه ولم يفر هربا منه، ولكنه بقى مكانه يصيح بكلمات والصبى من مكانه المرتفع لا يسمع ما يقوله هذا الشخص.

قال الصبى لنفسه: "ربما يكون هذا الشخص هو من أبحث عنه .. من لا تستطيع طلقة بندقية أن تصيبه."

خرج الصبى من داخل الإنسان الآلى يستطلع الأمر. وعندما وقف على الأرض لم يكن هناك سوى السيدة العجوز، تلك المرأة التى أعطته طعاما حين مر بكوخها وكان جائعا.

فسألها الصبى: "هل تريدين أن تقولى لى شيئا؟" 

قالت السيدة العجوز. "نعم .. لقد سمعت عن أحد الأشخاص لا تستطيع طلقة بندقية أن تصيبه. ورأيت أننى يجب أن أقول لك هذا."

فسألها الصبى: "ومن هو هذا الشخص؟"

قالت السيدة العجوز: "إنه رجل كبير السن يعيش فوق سطح القمر."

فقال الصبى: "إذن يجب أن أبحث عنه لأننى لا أريد أن أبقى مع أحد يمكن أن تصيبه بندقية." 

فقام الصبى ووضع رافعة حول الإنسان الآلى، فتحول الإنسان الآلى إلى صاروخ آلى وطار به نحو القمر.

 

هبط الصبى فوق القمر وأخذ يبحث طويلا حتى وجد فى النهاية شيخاً يجلس خلف تلسكوب كبير ينظر من خلاله إلى أسفل على الكواكب الأخرى.

سأل الصبى الشيخ: "هل أنت ذلك الشخص الذى لا تستطيع طلقة بندقية أن تصيبه؟"

قال الشيخ: "أعتقد هذا."

سأله الصبى: "وماذا ترى من خلال هذا التلسكوب؟"

قال الشيخ: "أنا أراقب الناس الذين يعيشون على الكواكب الأخرى."

سأل الصبى: "هل يمكن أن أبقى معك؟"

فأجاب: "نعم ، ممكن .. ولكن لماذا تريد أن تبقى معى؟"

قال الصبى: " لأننى لا أريد أن أبقى مع أحد يمكن أن تصيبه بندقية. ولقد سألتك إن كانت طلقة البندقية يمكن أن تصيبك أم لا .. فقلت أنت لا. إذن .. أنت الشخص الذى أبحث عنه." 

قال الرجل: "ولماذا تبحث عن هذا الشخص؟"

قال الصبى: "إن لذلك قصة طويلة. فعندما مات والداى ذرفت من الدمع الكثير حتى لم يبق فى عينى دموع. وكان يمكن أن يكون لدى كلب أليف ولكن .. إن قتله أحد، سأبكى حزنا عليه. وكان من الممكن أن أبقى مع سيدة عجوز أكرمتنى وأعطتنى طعاما من عندها وكان من الممكن أن أكون صديقا لفتاة جميلة أرادت أن نصبح أصدقاء. ولكن .. كل هؤلاء ليست لديهم وقاية ضد طلقات البنادق ، وإذا أصيبوا بطلقة بندقية، سأموت أنا أيضا من فرط حزنى عليهم."

قال الشيخ للصبى: "لقد فهمت الآن كل شىء.  حسنا.. من الممكن أن تبقى معى. فأنا لا يستطيع أحد أن يصيبنى بطلقة بندقية لأنه لا يوجد هنا بنادق."

فقال الصبى: "هل من أجل هذا السبب فقط لا تصيبك بندقية؟"

أجاب الرجل قائلا: "نعم .. لهذا السبب فقط."

فقال الصبى: "ولكنى أحضرت معى بندقيتى."

قال الشيخ: "يا للأسف .. الآن لن تستطيع أن تبقى معى. فالبندقية التى معك من الممكن أن تصيبنى."

قال الصبى: "هذا يعنى أننى يجب أن أذهب من هنا."

قال الرجل: "نعـم."

ردَّ الصبى قائلا: "يا للأسف."

سأله الرجل: "هل تشعر بالحزن؟"

أجاب الصبى: "نعم .. أشعر بالحزن. فكم وددت أن أبقى هنا فى هذا الكوكب الجميل البعيد عن الحروب والأخطار."

قال الشيخ للصبى: "تستطيع أن تفعل ذلك لو تخلصت من بندقيتك وألقيتها بعيدا."

سرح الصبى فيما قاله الرجل وردد قائلا: " نعم ، هذا ممكن. وماذا يمكن أن أفعل هنا إذا بقيت معك ؟"

قال الشيخ: "يمكن أن تنظر معى من خلال هذا المنظار إلى الكواكب الأخرى ثم تفهم لماذا توجد هناك حروب بين البشر."

فسأل الصبى الرجل: " ولكن حقا .. لماذا يشعل الناس الحروب ؟"

أجاب الرجل قائلا: "أنا لا أعرف تماما لماذا تندلع الحروب. لكن من الجائز أن البشر لا يفهمون بعضهم بعضا بدرجة كافية. ربما لأنهم أصبحوا كثيرين وحياتهم أصبحت معقدة وتملكهم الطمع حتى إنه لا يوجد فيهم من يقدِّر نتائج أفعاله. ربما لا يعلمون من أين تأتى اللحوم التى يأكلونها فى بطونهم وأين يذهب الخبز الذى يخبزونه. ربما لا يعرفون إذا كان الحديد الذى يستخرجونه من باطن الأرض سيصنعون منه حفارا يحفر الطرق أم سيصنعون منه القنابل. ربما لا يعرفون أن بعضهم يأكل طعام البعض الآخر.

وهنا قال الصبى للرجل: "إذن لابد لأحد أن يرشدهم ويكشف لهم الحقيقة."

قال الرجل: "من الجائز أن يكون هذا هو الحل. ولكنى كما ترى أصبحت شيخا متقدما فى العمر وضعفت صحتى ولا أستطيع أن أقوم بهذا العمل."

وهنا ألقى الصبى بندقيته بعيدا فرآها تسقط فى الفضاء الواسع وتتحطم فوق أحد الكواكب ثم صاح قائلا: "أستطيع أن أفعل ذلك فى يوم من الأيام."

 

وعاش الصبى زمنا طويلا مع الشيخ فوق كوكب القمر يتعلم وينظر إلى أسفل نحو الكواكب الأخرى من خلال التلسكوب ويدرس أحوال الناس الذين يعيشون فوقها.

وربما يكون فى يوم من الأيام قد طار إلى كوكب من تلك الكواكب ليرشد الناس إلى الصواب ويجعلهم يرون الأخطاء التى يرتكبونها فى حق بعضهم البعض.

   
 

This site has content self published by registered users. If you notice anything that looks like spam or abuse, please contact the author.